ابن حمدون
265
التذكرة الحمدونية
إلى داره من أخذ جميع ما وجد له ، ولم يزل في الاعتقال إلى أن مات تحت العذاب . « 513 » - قال أبو الحسن محمد بن عمر بن يحيى العلويّ : كان المتنبي وهو صبيّ ينزل في جوارنا بالكوفة ، وكان أبوه يعرف بعيدان السّقّاء ، يستقي على جمل له ولأهل المحلَّة . ونشأ له المتنبي ، فكان يتبع أهل العلم والأدب ويلازم الورّاقين ، وكان ذكيّا حسن الذكاء . فقال لي ورّاق كان يجلس إليه : ما رأيت قطَّ أحفظ من هذا الغلام ابن عيدان ؛ فقلت له : كيف ذاك ؟ قال : كان جالسا عندي اليوم ، وقد أحضر رجل كتابا من كتب الأصمعيّ ليبيعه يكون نحو ثلاثين ورقة ، فأخذه فنظر فيه طويلا ، فقال له الرجل : أريد بيع هذا الدفتر ، وقد قطعتني عن ذلك ، فإن كنت تريد حفظه فهذا إن شاء اللَّه يكون بعد شهر ؛ فقال له ابن عيدان : فإن كان قد حفظته في هذه المدّة فما لي عليك ؟ قال : إن كنت حفظته فهو لك ؛ فأخذت الدفتر من يده ، وأخذ يتلوه إلى آخره ، ثم استلبه من يدي فجعله في كمّه ، وقام . فعلق به صاحبه وطالبه بالثمن ، فقال : ما إلى ذلك سبيل ، قد وهبته لي ، فمنعناه منه وقلنا له : أنت شرطت على نفسك هذا . 514 - استدعى المتوكَّل من البصرة محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأمويّ ، وأحمد بن المعذّل بن غيلان العبديّ ، وإبراهيم التيميّ ، فعرض على كلّ واحد منهم ولاية القضاء بالبصرة ، فاحتجّ ابن أبي الشوارب بعلوّ السنّ وأمور تقطعه عن ذلك ؛ واحتج أحمد بن المعذّل بضعف البصر ؛ وامتنع إبراهيم التيميّ ، فقيل له : لم يبق غيرك ، وجزم عليه ، فولي . فنزلت حاله عند أهل العلم ، وعلت حال الآخرين . ويرى الناس أنّ بركة امتناع محمد بن عبد الملك دخلت على ولده ، فولي منهم أربعة وعشرون قاضيا منهم ثمانية قلَّدوا قضاء القضاة ، وكان آخرهم أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن العباس بن محمد بن عبد الملك
--> « 513 » مختصر تاريخ دمشق 3 : 49 .